فصل
في نبذ من أحوال السلف عند موت أبنائهم وأحبائهم

كانت العرب في الجاهلية ـ وهم لا يرجون ثواباً ، ولا يخشون عقاباً ـ
يتحاظون
(1) على الصبر ، ويعرفون فضله ، ويعيرون بالجزع أهله ، إيثار للحزم ، وتزيناً
بالحلم ، وطلباً للمروة ، وفراراً من الاستكانة إلى حسن العزاء ، حتى كان الرجل منهم
ليفتقد حميمه فلا يعرف ذاك منه ، فلما جاء الاسلام وانتشر ، وعلم ثواب الصبر واشتهر ،
تزايدت في ذلك لهم الرغبة ، وارتفعت للمبتلين الرتبة .

قال أبو الاحوص : دخلنا على ابن مسعود وعنده بنون له ثلاثة غلمان كأنهم
الدنانير حسناً ، فجعلنا نتعجب من حسنهم ، فقال : كأنكم تغبطوني بهم ؟ قلنا : إي والله ،
بمثل هؤلاء يغبط المرء المسلم ، فرفع رأسه إلى سقف بيت قصير ، قد عشش فيه الخطاف
وباض ، فقال : والذي نفسي بيده لئن أكون نفضت يدي من تراب قبورهم ، أحب إلي
من أن يسقط عش هذا الخطاف ، وينكسر بيضه ، يعني : حرصاً على الثواب .

وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرىء الناس القرآن في المسجد جاثياً
على ركبتيه ، إذ جاء ت اُم ولده بابن له ، يقال له : محمد ، فقامت على باب المسجد ، ثم
أشارت له إلى أبيه ، فأقبل ، فأخرج ، فأفرج له القوم حتى جلس في حجره ، ثم جعل يقول : مرحباً
بسمي من هو خير منه ، ويقبله حتى كاد يزدرد ريقه .

ثم قال : والله لموتك وموت إخوتك أهون علي من عدتكم من هذا الذباب
(2) ،
فقيل : لم تتمنى هذا ؟ فقال : اللهم غفراً إنكم تسألوني ، ولا أستطيع إلا أن اُخبركم ،
اُريد بذلك الخير ، أما أنا فاُحرز اُجورهم وأتخوف عليهم ، سمعت رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم يقول : « يأتي عليكم زمان يغبط الرجل بخفة الحال ، كما يغبط اليوم
بكثرة المال والولد » .

وكان أبو ذر رضي الله عنه لا يعيش له ولد ، فقيل له : إنك امرؤ لا يبقى لك ولد ،
فقال : الحمد لله الذي يأخذهم من دار الفناء ، ويدخرهم في دار البقاء
(3) .
____________
(1) في « ح » يحافظون .
(2) في « ش » : الذبان .
(3) رواه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال 1 : 212 ، وأخرجه المجلسي في البحار 82 : 142 .
( 61 )

ومات لعبد الله بن عامر المازني رضي الله عنه ، في الطاعون الجارف ، سبعة بنين
في يوم واحد ، فقال : إني مسلم مسلم .

وعن عبد الرحمن بن عثمان قال : دخلنا على معاذ وهو قاعد عند رأس ابن له ،
وهو يجود بنفسه ، فما ملكنا أنفسنا أن ذرفت أعيننا ، وأنتحب بعضنا ، فزجره معاذ ،
وقال : مه ، فو الله ليعلم الله برضاي ، لهذا أحب إلي من كل غزوة غزوتها مع رسول الله
صلى الله عليه وآله ، فإني سمعته يقول : « من كان له أبن وكان عليه عزيزاً ، وبه
ضنيناً ، ومات فصبر على مصيبته واحتسبه ، أبدل الله الميت داراً خيراً من داره ، وقراراً
خيراً من قراره ، وأبدل المصاب الصلاة والرحمة والمغفرة والرضوان » .

فما برحنا حتى قضى ـ والله ـ الغلام حين أخذ المنادي لصلاة الظهر ، فرحنا
نريد الصلاة ، فما جئنا إلا وقد غسله وحنطه وكفنه .

وجاء رجل بسريره غير منتظر لشهود الاخوان ، ولا لجمع الجيران ، فلما بلغنا
ذلك تلاحقنا ، وقلنا : يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن ، هلا انتظرتنا حتى نفرغ من
صلاتنا ، ونشهد ابن أخينا .

فقال : أمرنا أن لا ننتظر موتانا ساعة ماتوا بليل أو نهار ، قال : فنزل في القبر ،
ونزل معه آخر ، فلما أراد الخروج ناولته يدي لأنتهضه
(1) من القبر ، فأبى وقال : ما أدع
ذلك لفضل قوتي ، ولكن أكره أن يرى الجاهل أن ذلك مني جزع ، أو استرخاء عند
المصيبة ، ثم أتى مجلسه ، ودعا بدهن فأدهن وبكحل فاكتحل ، وببردة فلبسها ، وأكثر
في يومه ذلك من التبسم ، ينوي به ما ينوي ، ثم قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، في الله
خلف عن كل هالك ، وعزاء من كل مصيبة ، ودرك لكل ما فات .

وروي : إن قوماً كانوا عند علي بن الحسين عليهما السلام ، فاستعجل خادماً
بشواء في التنور ، فأقبل به مسرعاً ، فسقط السفود
(2) من يده على ولد علي بن الحسين
عليه السلام ، فأصاب رأسه فقتله ، فوثب علي بن الحسين عليهما السلام ، فلما رأى ابنه
ميتاً ، قال للغلام : « أنت حر لوجه الله تعالى ، أما إنك لم تتعمده » ثم أخذ في جهاز
أبنه
(3) .
____________
(1) في « ش » : لأنشطه .
(2) السفود : بفتح السين وضمها ، حديدة ذات شعب معقفة يشوى بها اللحم . « لسان العرب ـ سفد ـ
3 : 218 » .
(3) كشف الغمة 2 : 81 باختلاف يسير ، والبحار 82 : 142 .
( 62 )

وعن الأخنف بن قيس قال : تعلموا الحلم والصبر ، فاني تعلمته ، فقيل له :
ممن ؟ قال : من قيس بن عاصم ، قيل : وما بلغ من حلمه ؟ قال : كنا قعوداً عنده ، إذ أُتي
بابنه مقتولاً ، وبقاتله مكبولاً ، فما حل حبوته
(1) ، ولا قطع حديثه حتى فرغ .

ثم التفت إلى قاتل ابنه فقال : يا أبن أخي ، ما حملك على ما فعلت ؟ قال :
غضبت ، قال : أوكلما غضبت أهنت نفسك ، وعصيت ربك ، وأقللت عددك ؟ إذهب
فقد اعتقتك .

ثم التفت إلى بنيه فقال : يا بني ، اعمدوا
(2) إلى إخيكم فغسلوه وكفنوه ، فإذا
فرغتم منه فأتوني به لأصلي عليه ، فلما دفنوه قال لهم : إن امه ليست منكم ، وهي من
قوم آخرين ، فلا أراها ترضى بما صنعتم ، فأعطوها ديته من مالي
(3) .

وروى الصدوق في ( الفقيه ) : انه لما مات ذر بن أبي ذر ـ رحمه الله ـ وقف
[ أبو ذر ]
(4) على قبره فمسح القبر بيده ، ثم قال : رحمك الله يا ذر ، والله انك كنت بي لبراً ،
ولقد قبضت وإني عنك لراض ، والله ما بي فقدك وما علي من عضاضة ، ومالي إلى
أحد سوى الله من حاجة ، ولولا هول المطلع لسرني أن أكون مكانك ، ولقد شغلني الحزن
لك عن الحزن عليك ، والله ما بكيت لك ، ولكن بكيت عليك ، فليت شعري ما قلت ،
وما قيل لك ؟ اللهم إني قد وهبته ما افترضت عليه من حقي ، فهب له ما افترضت
عليه من حقك ، فأنت أحق بالجود والكرم مني
(5) .

واسند الدينوري أن ذر بن عمر بن ذر لما مات وقف أبوه على قبره ، وقال :
رحمك الله يا ذر ، ما علينا بعدك من خصاصة ، وما بنا إلى أحد مع الله حاجة ، وما يسرني
أني كنت المقدم قبلك ، ولولا هول المطلع لتمنيت أن أكون مكانك ، وقد شغلني الحزن
لك عن الحزن عليك ، فليت شعري ماذا قلت ، وماذا قيل لك ، ثم رفع رأسه إلى السماء
فقال : اللهم إني قد وهبتك له حقي فيما بيني وبينه ، فاغفر له من الذنوب ما بينك
وبينه ، فأنت أجود الأجودين وأكرم الاكرمين ، ثم انصرف وقال : فارقناك ، ولو أقمنا
____________
(1) الحبوة من الاحتباء : وهو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ، ويشد عليها .
وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب . « النهاية 1 : 335 » .
(2) في هامش « ح » : اقصدوا .
(3) أخرج نحوه ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 : 136.
(4) أثبتناه من الفقيه .
(5) الفقيه 1 : 117 | 558 ، الكافي 3 : 250 | 4 ، والبحار 82 : 142 .
( 63 )
ما نفعناك
(1) .

وروى المبرد قال : لما هلك ذر بن عمر وقف عليه أبوه وهو مسجى ، وقال : يا
بني ، ما علينا من موتك غضاضة ، وما بنا إلى ما سوى الله من حاجة ، فلما دفن قام على
قبره ، وقال : يا ذر ، غفر الله لك ، قد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك ، لأنا لا ندري
ما قلت ، ولا ما قيل لك . اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه مما افترضت عليه من
حقي ، فهب له ما قصر من فيه حقك ، واجعل ثوابي عليه له ، وزدني من فضلك ، إني
إليك من الراغبين . فسئل عنه ، فقيل : كيف كان معك ؟ فقال : ما مشيت معه بليل
قط إلا كان أمامي ، ولا بنهار قط إلا كان خلفي ، وما علا سطحاً قط وأنا تحته
(2) .

وقدم على بعض الخلفاء قوم من بني عبس ، فيهم رجل ضرير، فسأله عن عينيه ،
فقال : بت ليلة في بطن واد ، ولم أعلم عبسياً يزيد ماله على مالي ، فطرقنا سيل ، فذهب
بما كان لي من أهل ومال وولد ، غير بعير وصبي مولود ، وكان ( بعيراً صعباً فنفر )
(3) ،
فوضعت الصبي واتبعت البعير ، فلم أجاوز إلا قليلاً حتى سمعت صيحة ابني ، فرجعت
إليه ورأس الذئب في بطنه وهو يأكله ، ولحقت البعير لأحبسه فبعجني
(4) برجله على
وجهي فحطمه ، وذهب بعيني فأصبحت لا مال لي ، ولا أهل ، ولا ولد ، ولا بصر .

روي : أن عياض بن عقبة الفهري مات له ابن ، فلما نزل في قبره قال له رجل :
والله انه كان لسيد الجيش فاحتسبه ، فقال : وما يمنعني ، وقد كان بالأمس زينة الحياة
الدنيا ، وهو اليوم من الباقيات الصالحات ! ؟

وقال : أبو علي الرازي صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ، ما رأيته
ضاحكاً ولا مبتسماً قط إلا يوم مات ابنه علي ، فقلت له في ذلك ، فقال : إن الله
سبحانه وتعالى أحب أمراً ، فأحببت ما أحب الله عزوجل .

واصيب عمرو بن
(5) كعب الهندي بتستر
(6) ، فكتموا أباه الخبر ، ثم بلغه فلم
يجزع ، وقال : الحمد لله الذي جعل من صلبي من اصيب شهيداً . ثم استشهد له ابن آخر
____________
(1) عيون الأخبار 2 : 313 .
(2) أخرج قطعة منه المبرد في الكامل 1 : 140 .
(3) في « ش » : البعير صعباً فند .
(4) البعج : الشق « لسان العرب 2 : 214 » .
(5) في « ح » : عمرو .
(6) تستر : من مدن خوزستان ، وهو تعريب شوشتر . اُنظر « معجم البلدان 2 : 29 » .
( 64 )
بجرجان
(1) ، فلما بلغه الخبر قال : الحمد لله الذي توفى مني شهيداً آخر .

وروى البيهقي : أن عبد الله بن مطرف مات ، فخرج أبوه مطرف على قومه في
ثياب حسنة وقد ادهن ، فغضبوا وقالوا : يموت عبد الله وتخرج في ثياب حسنة مدهناً ؟ !
قال : أفأستكين لها ، وقد وعدني ربي تبارك وتعالى عليها ثلاث خصال ، هي أحب إلي
من الدنيا وما فيها ، قال الله تعالى : (
الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه
راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون )
(2) .

ودعا رجل من قريش إخواناً له ، فجمعهم على طعام ، فضربت ابناً له دابة
لبعضهم فمات ، فأخفى ذلك عن القوم ، وقال لأهله : لا أعلمن صاحت منكم صائحة ،
أو بكت منكم باكية ، وأقبل على إخوانه حتى فرغوا من طعامه ، ثم أخذ في جهاز
الصبي ، فلم يفجأهم إلا بسريره ، فارتاعوا وسألوه عن أمره فأخبرهم ، فعجبوا من صبره
وكرمه .

وذكر : أن رجلا من اليمامة دفن ثلاثة رجال من ولده ، ثم احتبى في نادي قومه
يتحدث كأن لم يفقد أحداً ، فقيل له في ذلك ، فقال : ليسوا في الموت ببديع ، ولا أنا في
المصيبة بأوحد ، ولا جدوى للجزع ن فعلام تلومونني ؟

وأسند أبو العباس عن مسروق عن الأوزاعي ، قال : حدثنا بعض الحكماء ،
قال : خرجت وأنا اُريد الرباط
(3) ، حتى إذا كنت بعريش
(4) مصر إذا أنا بمظلة ، وفيها
رجل قد ذهبت عيناه ، واسترسلت يداه ورجلاه ، وهو يقول : لك الحمد سيدي ومولاي ،
اللهم إني أحمدك حمداً يوافي محامد خلقك ، كفضلك على سائر خلقك ، إذ فضلتني على
كثير ممن خلقت تفضيلاً .

فقلت : والله لأسألنه ، أعلمه أو أُلهمه إلهاماً ؟ فدنوت منه ، وسلمت عليه ، فردّ
فرد علي السلام ، فقلت له : رحمك الله ، إني أسألك عن شيء ، أتخبرني به أم لا ؟ فقال :
إن كان عندي منه علم أخبرتك به ، فقلت : رحمك الله ، على أي فضيلة من فضائله
____________
(1) جرجان : مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان ، فبعض يعدها من هذه ، وبعض يعدها من هذه
« معجم البلدان 2 : 119 » .
(2) البقرة 2 : 156 و 157 .
(3) الرباط : ملازمة ثغور البلاد واستعداد للعدو . « القاموس المحيط ـ ربط ـ 2 : 360 » .
(4) العريش : مدينة بمصر على ساحل البحر الابيض المتوسط ، في حدود مصر على الشام « معجم البلدان
4 : 113 » .
( 65 )
تشكره ؟ فقال : أوليس ترى ما قد صنع بي ؟ قلت : بلى ، فقال : والله لو أن الله تبارك
وتعالى صب علي ناراً تحرقني ، وأمر الجبال فدمرتني ، وأمر البحار فغرقتني ، وأمر الأرض
فخسفت بي ، ما ازددت فيه ـ سبحانه ـ إلا حباً ، ولا ازددت له إلا شكراً ، وإن لي
إليك حاجة ، أفتقضيها لي ؟ قلت : نعم ، قل ما تشاء ، فقال : بني لي كان يتعاهدني
أوقات صلاتي ، ويطعمني عند إفطاري ، وقد فقدته منذ أمس ، فانظر هل تجده لي ؟

قال : فقلت في نفسي : إن في قضاء حاجته لقربة إلى الله عزوجل ، فقمت
وخرجت في طلبه ، حتى اذا صرت بين كثبان الرمال ، إذا أنا بسبع قد افترس الغلام
فأكله
(1) ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كيف آتي هذا العبد الصالح بخبر ابنه ؟

قال : فأتيته ، وسلمت عليه ، فرد علي السلام فقلت : رحمك الله ، إن سألتك
عن شيء تخبرني ؟ فقال : إن كان عندي منه علم أخبرتك به ، قال ، فقلت : أنت أكرم
على الله عزوجل وأقرب منزلة ، أو نبي الله أيوب عليه السلام ؟ فقال : بل ( نبي الله )
(2)
أكرم على الله تعالى مني ، وأعظم عند الله تعالى منزلة مني ، قال : فقلت له : إنه ابتلاه
الله تعالى فصبر ، حتى استوحش منه من كان يأنس به ، وكان عرضاً لمُرار الطريق
(3) ،
واعلم أن ابنك الذي أخبرتني به ، وسألتني أن اطلبه لك افترسه السبع ، فأعظم الله
أجرك فيه .

فقال : الحمد لله الذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا ، ثم شهق شهقة وسقط
على وجهه ، فجلست ساعة ثم حركته فإذا هو ميت ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ،
كيف أعمل في أمره ؟ ومن يعينني على تغسيله وكفنه وحفر قبره ودفنه ؟

فبينما أنا كذلك إذ أنا بركب
(4) يريدون الرباط ، فأشرت إليهم فأقبلوا نحوي
حتى وقفوا علي ، وقالوا : من أنت ؟ ومن هذا ؟ فأخبرتهم بقصتي ، فعقلوا رواحلهم ،
وأعانوني حتى غسلناه بماء البحر ، وكفناه بأثواب كانت معهم ، وتقدمت فصليت عليه
مع الجماعة ، ودفناه في مظلته .
____________
(1) في « ش » : يأكله .
(2) في نسخة « ش » : أيوب .
(3) عرضاً لمرار الطريق : لعل المراد منه انه كان معروضاً على الطريق يمر به الناس ، لا بيت له يكنه
اُنظر « الصحاح ـ عرض ـ 3 : 1082 » .
(4) في « ح » : بقفل ، والقفل : الجند إذا رجعوا من معسكرهم ، اُنظر « الصحاح ـ قفل ـ 5 : 1803 » .
( 66 )

وجلست عند قبره آنساً به أقرأ القرآن إلى أن مضى من الليل ساعة
(1) ، فغفوت
غفوة فرأيت صاحبي في أحسن صورة وأجمل زي ، في روضة خضراء عليه ثياب خضر
قائماً يتلو القرآن ، فقلت له : ألست بصاحبي ؟ قال : بلى ، قلت : فما الذي صيرك إلى
ما أرى ؟ فقال : إعلم أني وردت مع الصابرين على الله عزوجل في درجة لم ينالوها إلا
بالصبر على البلاء ، والشكر عند الرخاء ، فانتبهت
(2) .

وحكى الشعبيّ قال : رأيت رجلاً وقد دفن ابنه ، فلمّا حثا عليه التراب وقف
على قبره ، وقال : يابنيّ ، كنت هبة ماجد ، وعطية واحد
(3) ، ووديعة مقتدر ، وعارية
منتصر، فاسترجعك واهبك ، وقبضك مالكك ، وأخذك معطيك ، فأخلفني الله عليك
الصبر، ولا حرمني الله بك الأجر، ثم قال : أنت في حلّ من قبلي ، والله أولى عليك بالتفضّل مني.

ولما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ، وأخوه سهل بن عبد العزيز ، ومولاه
مزاحم ـ في أيام متتابعة ـ دخل عليه بعض أصحابه يعزيه ، وقال في جملة كلامه : والله
ما رأيت مثل ابنك ابناً ، ولا مثل أخيك أخاً ، ولا مثل مولاك مولى ، فطأطأ رأسه ، ثم
قال : أعد علي ما قلت ، فأعاده عليه ، فقال : لا والذي قضى عليهم ، ما أحب أن شيئا
كان من ذلك لم يكن .

وقيل : بينما عمر بن عبد العزيز ذات يوم جالس إذ اتاه ابنه عبد الملك ، فقال :
الله الله في مظالم بني أبيك فلان وفلان ، فوالله لوددت أن القدور قد غلت بي وبك فيما
يرضي الله ، وانطلق فأتبعه أبوه بصره ، وقال : إني لأعرف خير أحواله ، قالوا : وما خير
أحواله ؟ قال : أن يموت فأحتسبه .

ولما دخل عليه أبوه في مرضه فقال له : كيف تجدك ؟ قال : اجدني في الموت ،
فاحتسبني يا أبه ، فإن ثواب الله عزوجل خير لك مني ، فقال : والله يا بني ، لئن تكون في
ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك ، فقال ابنه : لئن يكون ما تحب أحب إلي من
أن يكون ما أحب .

فلما مات وقف على قبره ، وقال : رحمك الله يا بني ، لقد كنت ساراً مولوداً ،
وباراً ناشئاً ، وما اُحب أني دعوتك فأجبتني .
____________
(1) في نسخة « ش » : ساعات .
(2) أخرجه المجلسي في البحار 82 : 149 .
(3) كذا ، والمناسب للسياق ، واجد ، بالجيم ، والواجد : الغني ، « الصحاح ـ وجد ـ 2 : 547 » .
( 67 )

ومات له ابن آخر قبل عبد الملك ، فجاء فقعد عند رأسه ، وكشف الثوب عن
وجهه ، وجعل ينظر إليه ويسدمع ، فجاء ابنه عبد الملك ، فقال : يا أبه ليشغلك ما أقبل
من الموت عمن هو في شغل عما حل لديك ، فكأن قد لحقت بابنك وساويته تحت
التراب بوجهك ، فبكى عمر ، ثم قال : رحمك الله يا بني ، فوالله إنك لعظيم البركة ما
علمتك ، على أنك نافع الموعظة لمن وعضت .
( 68 )
فصل في ذكر جماعة من النساء نقل العلماء صبرهن

روي عن أنس بن مالك ، قال : كان ابن لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي ،
فخرج أبو طلحة فقبض الصبي ، فلما رجع أبو طلحة قال : ما فعل ابني ؟ فقالت اُم سليم ،
وهي اُم الصبي رضي الله عنها : هو أسكن ما كان ، فقربت له العشاء فتعشى ، ثم اصاب
منها ، فلما فرغ قالت : فارق الصبي ، فلما اصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وآله
فأخبره ، فقال : « أعرستم الليلة ؟ » فقال : نعم ، فقال : « اللهم بارك لهما » فولدت
غلاماً .

قالت : فقلت لأبي طلحة : احمله حتى تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله ،
وبعثت معه بتمرات ، فقال : « أمعه شيء ؟ » قال : تمرات ، فأخذها النبي صلى الله
عليه وآله فمضغها ، ثم أخذها صلى الله عليه وآله من فيه فجعلها في في الصبي ، ثم
حنكه ، وسماه عبد الله
(1) .

قال رجل من الأنصار : فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤا القرآن ، يعني من
أولاد عبد الله المولود
(2) .

وفي رواية أخرى : مات ابن لأبي طلحة من أم سليم ، فقالت لأهلها : لا تحدثوا
أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه ، قال : فجاء ، فقربت إليه عشاء ، فأكل وشرب ،
ثم تصنعت له أكثر مما كانت تتصنع له من قبل ذلك ، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب
منها ، قال : يا أبا طلحة ، أرأيت قوماً أعاروا عارية أهل بيت فطلبوا عاريتهم ؟ ألهم أن
يمنعوهم ؟ قال : لا ، قالت : فاحتسب ابنك ، قال : فغضب ، ثم قال : تركتني حتى إذا
تلطخت ثم أخبرتني بابني
(3) .

وفي حديث آخر : لما كان آخر الليل قالت : يا أبا طلحة ، إن آل فلان
استعاروا عارية تمتعوا بها ، فلما طلبت منهم شق عليهم ذلك ، قال : ما أنصفوا ، قالت : :
____________
(1) رواه البخاري في صحيحه 7 : 109 ، ومسلم في صحيحه 3 : 1689 باختلاف يسير ورواه باختلاف
في ألفاظه محمد بن علي العلوي في التعازي : 25 | 52 .
(2) صحيح البخاري 2 : 104 .
(3) صحيح مسلم 4 : 1909 .
( 69 )
فإن فلاناً ـ لابنها ـ كان عارية من الله عزوجل ، وقبضه الله ، فاسترجع ، ثم غدا إلى
رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بما كان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :
« بارك الله لكما في ليلتكما » .

قال : فحملت وذكر الحديث ، وفيه ، فولدت غلاماً ، فمسح رسول الله صلى الله
عليه وآله وجهه ، وسماه عبد الله .

والحديث في ( عيون المجالس ) بزيادة غريبة في آخره ، ولفظه :

عن معاوية بن قرة ، قال : كان أبو طلحة يحب ابنه حباً شديداً ، فمرض فخافت
اُم سليم على أبي طلحة الجزع حين قرب موت الولد ، فبعثته إلى النبي الله صلى الله عليه وآله ،
فلما خرج أبو طلحة من داره توفي الولد ، فسجته اُم سليم بثوب ، وعزلته في ناحية من
البيت ، ثم تقدمت إلى أهل بيتها ، وقالت لهم : لا تخبروا أبا طلحة بشيء .

ثم أنها صنعت طعاماً ، ثم مست شيئاً من الطيب ، فجاء أبو طلحة من عند
رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : ما فعل ابني؟ فقالت له: هدأت نفسه ، ثمّ قال : هل
لنا مانأكل؟ فقامت فقربت إليه الطعام ، ثمّ تعرضت له فوقع عليها ، فلمّا اطمأنّ قالت
له : يا أبا طلحة اتغضب من وديعة كانت عندنا ، فرددناها إلى أهلها؟ فقال :
سبحان الله ، لا، فقالت : ابنك كان عندنا وديعة فقبضه الله تعالى ، فقال أبو طلحة : فأنا
أحق بالصبر منك.

ثم قام من مكانه ، فاغتسل ، وصلّي ركعتين ، ثم انطلق إلى النبي صلّى الله عليه
وآله ، فأخبره بصنيعهما ، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله : « فبارك الله لكما في
وقعتكما ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الحمد لله الذي جعل في اُمتي مثل صابرة
بني أسرائيل » فقيل : يا رسول الله ، ما كان من خبرها ؟

قال : « كانت في بني إسرائيل امرأة ، وكان لها زوج ، ولها منه غلامان ، فأمرها
بطعام ليدعو عليه الناس ففعلت ، واجتمع الناس في داره ، فانطلق الغلامان يلعبان ،
فوقعا في بئر كان في الدار ، فكرهت أن تنغص على زوجها الضيافة ، فأدخلتهما البيت ،
وسجتهما بثوب ، فلما فرغوا دخل زوجها ، فقال : أين ابناي ؟ قالت : هما في البيت ، وإنها
كانت قد تمسحت بشيء من الطيب ، وتعرضت للرجل حتى وقع عليها ، ثم قال :
أين ابناي ؟ قالت : هما في البيت ، فناداهما أبوهما ، فخرجا يسعيان ، فقالت المرأة :
( 70 )
سبحان الله ! والله لقد كانا ميتين ، ولكن الله تعالى أحياهما ثواباً لصبري »
(1) .

وقريب من هذا ما رويناه في ( دلائل النبوة ) عن أنس بن مالك ، قال : دخلنا
على رجل من الأنصار وهو مريض ، فلم نبرح حتى قضى ، فبسطنا عليه ثوباً ، واُم له
عجوز كبيرة عند رأسه ، فقلنا لها : يا هذه ، احتسبي مصيبتك على الله عزوجل ، فقالت :
مات ابني ؟ قلنا نعم ، قالت : حقاً تقولون ؟ قلنا : نعم ، قال فمدت يدها ، وقالت :
اللهم إنك تعلم أني أسلمت لك ، وهاجرت إلى رسولك صلى الله عليه وآله وسلم رجاء
ان تعينني عند كل شدة ورخاء ، فلا تحمل علي هذه المصيبة اليوم ، فكشف الثوب عن
وجهه بيده ، ثمّ مابرحنا حتى طعمنا معه
(2) .

وهذا الدعاء من المرأة رحمها الله إدلال على الله ، واستئناس به يقع منه
للمحبين كثيراً ، فيقبل دعاءهم ، وإن كان في التذكير بنحو ذلك ما يظهر منه قلة
الادب . لو وقع من غيرهم ، ولذلك بحث طويل وشواهد من الكتاب والسنة ، يخرج ذكره
عن مناسبة المقام .

ومن لطيف ما اتفق فيه مناجاة برخ الاسود الذي أمر الله تعالى كليمه موسى
عليه السلام أن يسأله ليستسقي لبني اسرائيل بعد ان قحطوا سبع سنين ، وخرج موسى
ليستسقي لهم في سبعين الفا ، فأوحى الله إليه : « كيف استجيب لهم وقد أظلت عليهم
ذنوبهم ، وسرائرهم خبيثة ، يدعونني على غير يقين ، ويأمنون مكري ! إرجع إلى عبد من
عبادي ، يقال له : برخ ، يخرج حتى استجيب له » .

فسأل عنه موسى عليه السلام فلم يعرف ، فبينا موسى عليه السلام ذات يوم
يمشي في طريق ، فإذا بعبد أسود بين عينيه تراب من أثر السجود ، في شملة قد عقدها
على عنقه ، فعرفه موسى بنور الله تعالى فسلم عليه ، فقال : ما اسمك ؟ قال : إسمي برخ ،
فقال : أنت طلبتنا منذ حين ، اخرج استسق لنا ، فخرج ، فقال في كلامه : اللهم ما هذا
من فعالك ، وما هذا من حلمك ، وما الذي بدالك ! أنقصت عليك عيونك ، أم عاندت
الرياح عن طاعتك ، أم نفد ما عندك ! أم اشتد غضبك على المذنبين ، الست كنت
غفاراً قبل خلق الخاطئين ؟ ! خلقت الرحمة ، وأمرت بالعطف ، أم ترينا أنك ممتنع ، أم
____________
(1) أخرجه المجلسي في بحار الانوار 82 : 150 .
(2) دلائل النبوة 6 : 50 باختلاف في ألفاظه ، وأخرجه المجلسي في البحار 82 : 151 .
( 71 )
تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة ؟ ! فما برح برخ حتى ( أفاضت وخاضت )
(1) بنو إسرائيل
بالقطر .
قال : فلما رجع برخ استقبل موسى عليه السلام ، فقال : كيف رأيت حين
خاصمت ربي ، كيف انصفني ؟ (2)
رجعنا إلى أخبار الصابرات :
وروي : أن أسماء بنت عميس رضي الله عنها لما جاء خبر ولدها ـ محمد
بن أبي بكر ـ أنه قتل وأحرق بالنار في جيفة حمار ، قامت إلى مسجدها ، فجلست فيه ،
وكظمت الغيظ حتى تشخب ثديها دماً (3) .
وروي عن حمنة (4) بنت جحش رضي الله عنها : أنها قيل لها : قتل أخوك ،
قالت : رحمه الله ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، قالوا : وقتل زوجك ، قالت : واحزناه ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وآله : « أن للزوج من المرأة لشعبة ماهي لشيء » (5) .
وروي : ان صفية بنت عبد المطلب أقبلت لتنظر إلى أخيها لأبويها ـ حمزة بن
عبد المطلب ـ باُحد ، وقد مثل به ، فقال النبي صلى الله عليه وآله لابنها الزبير : « القها
فأرجعها لا ترى ما بأخيها » فقال لها : يا أماه ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرك
ان ترجعي ، قالت : ولم ، وقد بلغني أنه قد مثل بأخي ؟ وذلك في الله عزوجل ، فما
أرضانا بما كان من ذلك ! فلأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله .
فلما جاء الزبير إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بقولها ، فقال له : « خل
سبيلها » فأتته ، ونظرت إليه ، وصلت عليه ، واسترجعت ، واستغفرت له (6) .
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما قتل حمزة رضي الله عنه يوم اُحد ، أقبلت
صفية تطلبه ، لا تدري ما صنع به ، قال : فلقيت علياً والزبير ، فقال علي عليه السلام
للزبير : « أذكر لاُمك » فقال الزبير : لا ، بل اذكر انت لعمتك ، قالت : ما فعل حمزة ؟
فأرياها أنهما لا يدريان ، قال : فجاءت النبي صلى الله عليه وآله فقال : « إني أخاف
____________
(1) في « د » : اخضلت .
(2) أخرجه الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء 8 : 81 .
(3) روى القصة مفصلة الدميري في حياة الحيوان الكبرى 1 : 247 .
(4) في « ح » : جهينة ، والصواب ما أثبتناه من « د » ، راجع « اُسد الغابة 5 : 428 » .
(5) سنن ابن ماجة 1 : 507 ، المستدرك على الصحيحين 4 : 62 .
(6) السيرة النبوية لابن هشام 3 : 103 .
( 72 )
على عقلها » قال : فوضع يده على صدرها ، ودعا لها ، فاسترجعت ، وبكت ، قال : ثم
جاء صلى الله عليه وآله فقام عليه ، وقد مثل به ، فقال : « لولا جزع النساء لتركته حتى
يحشر من حواصل الطيور وبطون السباع » (1) .
واستشهد شاب من الأنصار يقال له : خلاد يوم بني قريظة ، فجاءت أمه
متنقبة فقيل لها : تتنقبين يا اُم خلاد وقد رزئت بخلاد ! فقالت : لئن كنت رزئت
خلاداً ، فلم ارزأ حيائي (2) ، فدعا له النبي صلى الله عليه وآله ، وقال : « إن له أجرين ،
لأن أهل الكتاب قتلوه » (3) .
وعن أنس بن مالك قال : لما كان يوم اُحد حاص أهل المدينة حيصة ، فقالوا :
قتل محمد صلى الله عليه وآله ، حتى كثرت الصوارخ في نواحي المدينة ، فخرجت امراة
من الأنصار متحزنة ، فاستقبلت بأبيها وأبنها وزوجها وأخيها ، لا أدري أيهم استقبلت
أولاً ، فلما مرت على آخرهم قالت : من هذا ؟ قالوا : أخوك ، وأبوك ، وزوجك ، وابنك ،
قالت : ما فعل النبي صلى الله عليه وآله ؟ قالوا : أمامك ، فمشت حتى جاءت إليه ،
فأخذت بناحية ثوبه ، وجعلت تقول : بأبي أنت وامي يا رسول الله ، لا ابالي إذا سلمت
من عطب .
وروى البيهقي قال : مر رسول الله صلى الله عليه وآله بامرأة من بني دينار (4) ،
وقد أصيب زوجها وأبوها وأخوها معه صلى الله عليه وآله باُحد ، فلما نعوا إليها ، قالت :
ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قالوا : خيراً يا أم فلان ، وهو يحمد الله كما تحبين ،
قالت : أرونيه حتى انظر إليه ، فأشير لها إليه ، حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك
جلل (5) .
وخرجت السمراء بنت قيس ـ أخت أبي حزام ـ ، وقد اصيب ابناها ،
فعزاها النبي صلى الله عليه وآله بهما ، فقالت : كل مصيبة بعدك جلل (6) ، والله لهذا
____________
(1) المستدرك على الصحيحين 3 : 197 .
(2) في « د » و « ح » : حبابه ، وما أثبتناه من منتخب كنز العمال .
(3) منتخب كنز العمال 1 : 212 باختلاف في ألفاظه .
(4) في « د » : ذبيان ، وفي « ح » : دينارة ، وفي هامش « ح » : صباره ، والظاهر كلها تصحيف ، والصواب
ما أثبتناه ، وبنو دينار : بطن من بني النجار من الخزرج من الأنصار . اُنظر « معجم قبائل العرب 1 :
401 » .
(5) السيرة النبوية لابن هشام 3 : 105 ، ورواه الواقدي في المغازي 1 : 292 باختلاف في ألفاظه .
(6) الجلل : الأمر العظيم والهين ، وهو من الاضداد ، والمراد هنا : كل مصيبة بعدك هينة . اُنظر « الصحاح
=
( 73 )
النقع (1) الذي أرى على وجهك أشد من مصابهما .
وروي : أن صلة بن أشيم كان في مغزى له ، ومعه ابن له ، فقال لابنه : أي بني
تقدم فقاتل حتى احتسبك ، فحمل فقاتل فقتل ، ثم تقدم أبوه فقاتل فقتل ، قال :
فاجتمع النساء عند امه معاذة العدوية زوجة صلة ، فقالت لهن : مرحباً بكن إن كنتن
( جئتن لتهنئتي ) (2) ، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن .
وروي : أن عجوزاً من بني بكر بن كلاب كان يتحدث قومها عن عقلها
وسدادها ، فأخبر بعض من حضرها ، وقد مات ابن لها ، وكان واحدها ، وقد طالت علته ،
وأحسنت تمريضه ، فلما مات قعدت بفنائها ، وحضرها قومها ، فأقبلت على شيخ منهم
فقالت : يا فلان ، ما حق من أسبغت عليه النعمة ، وأُلبس العافية ، واعتدلت به النظرة ،
أن لا يعجز عن التوثق لنفسه قبل حل عقدته والحلول بعقوته (3) ، ينزل الموت بداره ،
فيحول بينه وبين نفسه ؟ ثم أنشأت تقول شعراً :
| هو أبني وأنسي أجــره لـي وعزني | * | على نفسه رب اليه ولاؤهــــا |
| فـإن أحتسب أوجر وإن ابكه أكــن | * | كباكية لم يغـن شيئاً بكـــاؤها |
فقال لها شيخ : إننا لم نزل نسمع أن الجزع إنما هو للنساء ، فلا يجزعن أحد
بعدك ، ولقد كرم صبرك ، وما أشبهت النساء ، فقالت له : إنه ما ميز امرؤ بين الجزع
وصبر ، إلا وجد بينهما منهجين بعيدي التفاوت في حالتيهما :
أما الصبر : فحسن العلانية ، محمود العاقبة .
وأما الجزع : فغير معرض شيئاً مع إثمه .
ولو كانا في صورة رجلين ، لكان الصبر أولاهما بالغلبة ، وبحسن الصورة ، وكرم
الطبيعة في عاجل الدين وآجله في الثواب ، وكفى بما وعد الله عزوجل لمن ألهمه إياه .
وعن جويرية بن أسماء : أن ثلاثة أخوة شهدوا تستر ، واستشهدوا ، وبلغ ذلك
أمهم ، فقالت : مقبلين أم مدبرين ؟ فقيل لها : بل مقبلين ، فقالت : الحمد لله ، نالوا والله
الفوز ، وحاطوا الذمار ، بنفسي هم وأبي وامي ، وما تأوهت ، ولا دمعت لها عين .
____________
=
ـ جلل ـ 4 : 1659 » .
(1) النقع : الغبار . « الصحاح ـ نقع ـ 3 : 1292 » .
(2) في « د » : جئتني لتهنئنني .
(3) في « ح » بعقوبته ، والصواب ما في المتن ، والعقوة : الساحة وما حول الدار . « الصحاح ـ عقا ـ 6 :
2433 » .
( 74 )
وعن أبي قدامة الشامي قال : كنت أميراً على الجيش في بعض الغزوات ،
فدخلت بعض البلدان ، ودعوت الناس للغزاة ، ورغبتهم في الجهاد ، وذكرت فضل
الشهادة وما لأهلها ، ثم تفرق الناس وركبت فرسي ، وسرت إلى منزلي ، فإذا أنا بأمرأة
من أحسن الناس وجهاً تنادي : يا أبا قدامة ، فمضيت ولم أجب ، فقالت : ما هكذا كان
الصالحون ، فوقفت ، فجاءت ودفعت إلي رقعة وخرقة مشدودة ، وانصرفت باكية ،
فنظرت في الرقعة وإذا فيها مكتوب : أنت دعوتنا إلى الجهاد ، ورغبتنا في الثواب ،
ولا قدرة لي على ذلك ، فقطعت أحسن ما في ، وهما ضفيرتاي ، وأنفذتهما (1) إليك
لتجعلهما قيد فرسك لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله ، فيغفر لي .
فلما كان صبيحة القتال ، فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل حاسراً ،
فتقدمت إليه وقلت : يا غلام ، أنت فتى غر (2) راجل ، ولا آمن أن تجول الخيل فتطؤك
بأرجلها ، فارجع عن موضعك هذا ، فقال : أتأمرني بالرجوع ، وقد قال الله تعالى : ( يا أيها
الذين آمنوا اذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الادبار ) (3) ؟ وقرأ الآية إلى آخرها .
فحملته على هجين كان معي ، فقال : يا أبا قدامة ، أقرضني ثلاثة أسهم ،
فقلت : أهذا وقت قرض ؟ فما زال يلح علي حتى قلت : بشرط إن من الله عليك بالشهادة
أكون في شفاعتك ، قال : نعم ، فأعطيته ثلاثة أسهم ، فوضع سهماً في قوسه ورمى به ،
فقتل رومياً ، ثم رمى بالآخر فقتل رومياً ، ثم رمى بالآخر ، وقال : السلام عليك يا
أبا قدامة سلام مودع ، فجاءه سهم فوقع بين عينيه ، فوضع رأسه على قربوس سرجه ،
فتقدمت إليه ، وقلت : لا تنسها ، فقال : نعم ، ولكن لي إليك حاجة ، إذا دخلت المدينة
فأت والدتي ، وسلم خرجي (4) إليها وأخبرها ، فهي التي أعطتك شعرها لتقيد به
فرسك ، فسلم عليها ، فهي العام الأول أصيبت بوالدي ، وفي هذا العام بي ، ثم مات ،
فحفرت له ، ودفنته .
فلما هممت بالإنصراف عن قبره قذفته الارض ، فألقته على ظهرها ، فقال
أصحابه : غلام غر ، ولعله خرج بغير إذن امه ، فقلت : إن الإرض لتقبل من هو شر من
____________
(1) في « ح » : وأرسلتها .
(2) في الحديث : « المؤمن غر كريم » يريد أن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة ، وقلة الفطنة للشر وترك
البحث عنه ، وليس ذلك منه جهلاً ، ولكنه كرم وحسن خلق « النهاية ـ غرر ـ 3 : 354 » .
(3) الأنفال 8 : 15 .
(4) الخرج : وعاء « الصحاح ـ خرج ـ 1 : 309 » .
( 75 )
هذا ، فقمت وصليت ركعتين ، ودعوت الله ، فسمعت صوتاً يقول : يا أبا قدامة ، أترك
ولي الله ، فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته .
فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته ، فما قرعت الباب خرجت أخته
إلي ، فلما رأتني عادت إلى امها ، وقالت : يا أماه ، هذا أبو قدامة ، وليس معه أخي ، وقد
أُصبنا في العام الاول بأبي ، وفي هذا العام بأخي ، فخرجت اُمه ، فقالت : أمعزيناً أم
مهنئاً ؟ فقلت : ما معنى هذا ؟ قالت : إن كان ابني مات فعزني ، وإن كان استشهد
فهنئني ، فقلت : لا ، بل قد مات شهيداً ، فقالت له علامة ، فهل رأيتها ؟ فقلت : نعم ، لم
تقلبه الارض ، ونزلت الطيور ، فأكلت لحمه ، وتركت عظامه ، فدفنتها ، فقالت :
الحمد لله .
فسلمت إليها الخرج ، ففتحته وأخرجت منه مسحاً وغلاً من حديد ، قالت : إنه
كان إذا جنه الليل لبس هذا المسح ، وغلّ نفسه بالغل وناجى مولاه ، وقال في مناجاته :
إلهي احشرني من حواصل الطيور . فاستجاب الله سبحانه دعاءه رحمه الله .
وروى البيهقي عن أبي عباس السراج ، قال : مات لبعضهم ابن ، فدخلت
على اُمه ، فقلت لها : اتقي الله واصبري ، فقالت : مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع .
وقال ابان بن تغلب رحمه الله : دخلت على امرأة ، وقد نزل بابنها الموت ، فقامت
إليه فغمضته وسجته ، ثم قالت : يا بني ، ما الجزع في ما لا يزول ؟ وإنما البكاء في ما ينزل
بك غداً ؟ يا بني ، تذوق ما ذاق أبوك ، وستذوقه من بعدك امك ، وإن أعظم الراحة
لهذا الجسد النوم ، والنوم أخو الموت ، فما عليك إن كنت نائماً على فراشك ، أو على غيره ،
وإن غداً السؤال والجنة والنار ، فإن كنت من أهل الجنة فما ضرك الموت ، وإن كنت
من أهل النار فما تنفعك الحياة ، ولو كنت أطول الناس عمراً ، والله يا بني لولا أن الموت
أشرف الاشياء لابن آدم ، لما أمات الله نبيه صلى الله عليه وآله ، وأبقى عدوه أبليس
لعنه الله (1) .
وعن المبرد قال : أتيت امرأة أعزيها عن ابنها ، فجعلت تثني عليه ، فقالت : كان
ـ والله ـ ماله لغير بطنه ، وأمره لغير عرسه ، وكان رحب الذراع بالتي لا تشينه ، فإن
كانت الفحشاء ضاق بها ذرعاً ، فقلت لها : وهل لك منه خلف ؟ ـ وأنا أعني الولد ـ ،
فقالت : نعم بحمد الله كثير الطيب ، ثواب الله عزوجل ، ونعم العوض في الدنيا والآخرة .
____________
(1) أخرجه المجلسي في البحار 82 : 152 .
( 76 )
وعنه : أنه خرج إلى اليمن ، فنزل على امرأة لها مال كثير ورقيق وولد وحال
حسنة ، فاقام عندها مدة ، فلما أراد الرحيل قال : إلك حاجة ؟ قالت : نعم ، كلما نزلت
هذه البلاد فانزل علي .
وإنه غاب اعواما ، ثم نزل عليها ، فوجدها قد ذهب مالها ورقيقها ، ومات
ولدها ، وباعت منزلها ، وهي مسرورة ضاحكة ، فقال لها : أتضحكين مع ما قد نزل
بلك ؟ فقالت : يا عبد الله كنت في حال النعمة في أحزان كثيرة ، فعلمت أنها من قلة
الشكر ، فأنا اليوم في هذه الحالة أضحك شكراً لله تعالى على ما أعطاني من الصبر .
وعن مسلم بن يسار قال : قدمت البحرين فأضافتني امرأة لها بنون ورقيق
ومال ويسار ، وكنت أراها محزونة ، فغبت عنها مدة طويلة ، ثم أتيتها فلم أر ببابها إنساً ،
فاستأذنت عليها ، فإذا هي ضاحكة مسرورة ، فقلت لها : ما شأنك ؟ قالت : إنك لما
غبت عنا لم نرسل شيئاً في البحر إلا غرق ، ولا شيئاً في البر إلا عطب ، وذهبت الرقيق ،
ومات البنون ، فقلت لها : يرحمك الله ، رأيتك محزونة في ذلك اليوم ، ومسرورة في هذا
اليوم ، فقالت : نعم ، إني لما كنت فيما كنت فيه من سعة الدنيا ، خشيت أن يكون الله
تعالى قد عجل لي حسناتي في الدنيا ، فلما ذهب مالي وولدي ورقيقي رجوت أن يكون
الله تعالى قد ذخر لي عنده شيئاً (1) .
وعن بعضهم قال : خرجت أنا وصديق لي إلى البادية ، فضللنا الطريق ، فإذا
نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدنا نحوها فسلمنا ، فإذا بامرأة ترد علينا السلام ،
وقالت : ما أنتم ؟ قلنا : ضالون فأتيناكم فاستأنسنا بكم ، فقالت : يا هؤلاء ، ولّوا
وجوهكم عنّي ، حتى أقضي حقكم ما أنتم له أهل ، ففعلنا ، فألقت لنا مسحاً ،
وقالت : اجلسوا عليه إلى أن يأتي أبني .
ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها ، إلى أن رفعته مرة فقالت : أسأل الله بركة
المقبل ، أما البعير فبعير ابني ، وأما الراكب فليس هو به ، قال : فوقف الراكب عليها ،
وقال : يا اُم عقيل ، عظم الله أجرك في عقيل ولدك ، فقالت : ويحك مات ! ؟ قال : نعم ،
قالت : وما سبب موته ؟ قال : ازدحمت عليه الابل فرمت به في البئر فقالت : انزل واقض
ذمام القوم ، ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه ، وقرب إلينا الطعام ، فجعلنا نأكل ،
ونتعجب من صبرها .
____________
(1) أخرجه المجلسي في البحار 82 : 152 .
( 77 )
فلما فرغنا خرجت إلينا وقالت : يا قوم ، هل فيكم من يحسن من كتاب الله
شيئاً ؟ فقلت : نعم ، قالت : فاقرأ علي آيات أتعزى بها عن ولدي ، فقلت : يقول الله
عزوجل : ( وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون ) (1) . قالت : بالله انها في
كتاب الله هكذا ؟ قلت : والله إنها لفي كتاب الله هكذا ، فقالت : السلام عليكم ، ثم
صفت قدميها وصلت ركعات ، ثم قالت : اللهم إني قد فعلت ما أمرتني به ، فأنجز لي
ما وعدتني به ، ولو بقي أحد لأحد ـ قال : فقلت في نفسي تقول : لبقي ابني لحاجتي إليه ،
فقالت ـ : لبقي محمد صلى الله عليه وآله لأمته .
فخرجت وأنا أقول : ما رأيت أكمل منها ولا أجزل ، ذكرت ربها بأكمل
خصاله وأجمل خلاله . ثم إنها لما علمت ان الموت لا مدفع له ، ولا محيص عنه ، وأن
الجزع لا يجدي نفعاً ، والبكاء لا يرد هالكاً ، رجعت إلى الصبر الجميل ، واحتسبت ابنها
عند الله تعالى ذخيرة نافعة ليوم الفقر والفاقة (2) .
ونحوه ما أخرجه ابن أبي الدنيا ، قال : كان رجل يجلس إلي ، فبلغني انه
شاكٍ (3) فأتيته أعوده ، فإذا هو قد نزل به الموت ، وإذا اُمّ له عجوز كبيرة عنده ، فجعلت
تنظر حتى غمض وعصب وسجي ، ثم قالت : رحمك الله ، اي بني ، فقد كنت بنا باراً ،
وعلينا شفيقاً ، فرزقني الله عليك الصبر ، فقد كنت تطيل القيام ، وتكثر الصيام ،
لا حرمك الله تعالى ما أملت فيه من رحمته ، وأحسن فيك العزاء ، ثم نظرت إليّ وقالت :
أيها العائد قد رأيت واعظاً ونحن معك .
وروى البيهقي عن ذي النون المصري ، قال : كنت في الطواف ، وإذا أنا
بجاريتين قد أقبلتا ،
وأنشأت إحداهما تقول :
| صبرت وكان الصبر خير ( مـغـبة ) (4) |
* | وهـل الجزع مني ليـجدي فأجـزع |
| صــــبرت على ما لو تحمل بعضـه | * |
جبـال برضوى أصـبحت تتصـدع |
| مـلـكـت دمـوع الـعين ثـم رددتهـا | * |
إلى ناظري فالعــين في القلب تدمع |
____________
(1) البقرة 2 : 155 ـ 157 .
(2) أخرجه المجلسي في البحار 82 : 152 .
(3) الشاكي : المريض . « الصحاح ـ شكا ـ 6 : 2395 » .
(4) في « ح » : مطية .
( 78 )
فقلت : مماذا يا جارية ؟ فقالت : من مصيبة نالتني ، لم تصب أحداً قط ، قلت :
وما هي ؟ قالت : كان لي شبلان يلعبان أمامي ، وكان أبوهما ضحى بكبشين ، فقال
أحدهما لأخيه : يا أخي اريك كيف ضحى أبونا بكبشه ، فقام وأخذ الآخر شفرة
فنحره ، وهرب القاتل فدخل ابوهما ، فقلت : إن ابنك قتل أخاه وهرب ، فخرج في
طلبه ، فوجده قد افترسه السبع ، فرجع الاب فمات في الطريق ظمأً وجوعاً .
وروى بعضهم هذه الرواية ، وزاد فيها : قال : رايت امرأة حسناء ، ليس بها
شيء من الحزن ، وقالت : والله ما أعلم أحداً اُصيب بما اُصبت به ، وأوردت القصة ،
فقلت لها : كيف أنت والجزع ؟ فقالت : لو رايت فيه دركاً ما اخترت عليه شيئاً ، ولو دام
لي لدمت له .
وحكى بعضهم ، قال : اُصيبت امرأة بابن لها فصبرت ، فقيل لها في ذلك ،
فقالت : آثرت طاعة الله تعالى على طاعة الشيطان .